صديق الحسيني القنوجي البخاري
127
فتح البيان في مقاصد القرآن
وردت أحاديث في تقدير الدية ، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد ، ودية المسلم ودية الكافر ، وهي معروفة فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضوع . إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية بأن يعفوا عنها ، فسمي العفو عنها صدقة ترغيبا فيه ، وهذه الجملة المستثناة متعلقة بقوله : وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أي فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة عنها . فَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهم الكفار الحربيون وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ هذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم ثم أسلم ولم يهاجر ، وهم يظنون أنه لم يسلم ، وأنه باق على دين قومه فلا دية على قاتله ، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة . واختلفوا في وجه سقوط الدية فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية ، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة لقول اللّه تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنفال : 72 ] وقال بعض أهل العلم : إن ديته واجبة لبيت المال . وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عهد مؤقت أو مؤبد كأهل الذمّة ، وقرأ الحسن وهو مؤمن فَدِيَةٌ أي فعلى قاتله دية مُسَلَّمَةٌ مؤداة إِلى أَهْلِهِ من أهل الإسلام وهم ورثته وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهوديا أو نصرانيا ، وثلثا عشرها إن كان مجوسيا وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على قاتله كما تقدم . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها فَصِيامُ أي فعليه صيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لم يفصل بين يومين من أيام صومها إفطار في نهار ، فلو أفطر استأنف ، هذا قول الجمهور ، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف ، واختلف في الإفطار لعروض المرض ، ولم يذكر اللّه سبحانه الانتقال إلى الطعام كالظهار ، وبه أخذ الشافعي . تَوْبَةً أي شرع ذلك لكم قبولا لتوبتكم أو تاب عليكم توبة أو حال كونه ذا توبة كائنة من اللّه ، قال سعيد بن جبير : يعني تجاوزا من اللّه لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بمن قتل خطأ حَكِيماً فيما حكم به عليه من الدية والكفارة ، وأحكام الديات محلها كتب الفروع فلا نطول بذكرها . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 93 ] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( 93 ) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً أي قاصدا لقتله ، لما بين سبحانه حكم القاتل خطأ